فصل: تفسير الآيات (8- 11):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التيسير في التفسير أو التفسير الكبير المشهور بـ «تفسير القشيري»



.تفسير الآيات (2- 3):

{الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (2) وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3)}
قوله جلّ ذكره: {الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَآئِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ الاَّئِى وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ القَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌ غَفُورٌ}.
قَوْلُ الذين يقولون لنسائهم- جرياً على عادة أهل الشِرْكِ- أنتِ عليَّ كظهر أمي.. هذا شيءٌ لم يَحْكُمْ الله به؛ ولا هذا الكلامُ في نَفْسِه صِدْقٌ، ولم يثبت فيه شَرْعٌ، وإنما هو زورٌ مَحْضٌ وكَذِبٌ صِرْفٌ.
فَعَلِمَ الكافةُ أن الحقائق بالتلبيسِ لا تتعزّز؛ والسَّبَبُ إذا لم يكن صحيحاً فبالمعاودةِ لا يثبت؛ فالمرأةُ لمَّا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قولَه «بِنْتِ عنه»- كان واجباً عليها السكونُ والصبرُ؛ ولكنَّ الضرورةَ أنطقتها وحَمَلتْهَا على المعاودة، وحصلت من ذلك مسألة: وهي أن كثيراً من الأشياء يحكم فيها ظاهرُ العلمِ بشيء؛ ثم تُغَيِّر الضرورة ذلك الحُكْمَ لصاحبها.
قوله جلّ ذكره: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}.
الظَّهار- وإن لم يكن له في الحقيقة أصل، ولا بتصحيحه نطق او دلالة شرع، فإنه بعد ما رُفعَ أمرُه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ولوّح بشيء ما، وقال فيه حُكمه، لم يُخِلْ الله ذلك من بيانٍ ساق به شَرعه؛ فقضى فيه بما انتظم جوانب الأمر كلِّه.
فارتفاعُ الأمر حتى وصوله إلى مجلس النبي صلى الله عليه وسلم، والتحاكُم لديه حَمَّل المتعدِّي عناء فعلته، وأعاد للمرأة حقَّها، وكان سَبيلاً لتحديد المسألة برُمَّتها , وهكذا فإنَّ كلَّ صعبٍ إلى زوالٍ , وكلُّ ليلة- وإنْ طالَتْ- فإلى إسفار.

.تفسير الآية رقم (5):

{إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنَا آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (5)}
قوله جل ذكره: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَآدُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنزَلْنَا ءَايَات بَّيِّنَاتِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ}.
الذين يخالفون أمر الله ويتركون طاعةَ رسولِ الله أُذِلُّوا وخُذِلوا، كما أُذِلَّ الذين من قَبْلهم من الكفَّار والعُصاة.
وقد أجرى اللَّهُ سُنَّتَه بالانتقام من أهل الإجرام؛ فَمَنْ ضيَّعَ للرسولِ سُنَّةً، وأحْدَثَ في دينه بدعة انخرط في هذا السلك، ووقع في هذا الذُّلِّ.

.تفسير الآيات (6- 7):

{يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (6) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (7)}
قوله جلّ ذكره: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَئ شَهِيدٌ}.
يقال: إذا حُوسِبَ أحدٌ في القيامة على عمله تصور له ما فعله وتذكَّره، حتى كأنه قائمٌ في تلك الحاله عن بِسَاط الزَّلَّةِ، فيقع عليه من الخجل والنَّدَم ما يَنْسى في جَنْبِه كُلَّ عقوبة.
فسبيلُ المسلم ألا يحومَ حول مخالفة أمر مولاه، فإنْ جَرَى المقدورُ ووقَعَ في هجنة التقصير فلتكن زَلَّتُه على بال، وليتضرع إلى الله بحُسْن الابتهال.
قوله جل ذكره: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا في وَمَا السَّمَاوَاتِ وَمَا في الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَخَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَى مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ ثمَّ ُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَئ عَلِيمٌ}.
مَعَيَّةُ الحقِّ- سبحانه- وإن كانت على العموم بالعلم والرواية، وعلى الخصوص بالفضل والنصرة- فلهذا الخطاب في قلوب أهل المعرفة أثرٌ عظيمٌ، ولهم إلى أنْ ينتهيَ الأمرُ بهم إلى التولُّه فالوَلَهِ فالهيمان في غمار سماع هذا عيش راغد.
ويقال: أصحابُ الكهف- وإن جَلَّتْ رتبتُهم واختصت من بين الناس مرتبتهم- فالحقُّ سبحانه يقول: {سَيَقُولُونَ ثَلاَثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ} [الكهف: 22] ولمَّا انتهى إلى هذه الآية قال: {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة} فشتَّان بين مَنْ رابِعُهُ كَلْبُه وبين من رابِعُه ربُّه!!
ويقال: أهلُ التوحيد، وأصحابُ العقولِ من أهل الأصولِ يقولون: اللَّهُ واحدٌ لا من طريق العدد، والحقُّ يقول: {مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ} ويقال حيثما كنتَ فأنا معك؛ إن كنت في المسجد فأنا معك، وإن كنت في المصطبة فأنا معك، إن طَلَبَ العلماء التأويلَ وشوَّشوا قلوبَ أُولي المواجيد فلا بأس- فأنا معهم.
إن حضرْتَ المسجد فأنا معك بإسباغ النعمة ولكن وَعْداً، وإن أتيتَ المصطبة فأنا معك بالرحمة وإسبالِ ستر المغفرة ولكن نَقْداً:
هَبْكَ تباعَدْتَ وخالَفْتَني ** تقدِرُ أن تخرجَ عن لُطْفي

.تفسير الآيات (8- 11):

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (8) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (9) إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (10) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11)}
قوله جلّ ذكره: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ والعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِِّكَ بِهِ اللَّهُ} آذَوْا قلوبَ المسلمين بما كانوا يتناجون به فيما بينهم، ولم تكن في تناجيهم فائدةٌ إلا قصدهم بذلك شَغْلَ قلوبِ المؤمنين، ولم ينتهواعنه لمَّا نهُوا عنه، وأصَرُّوا على ذلك ولم يَنْزَجِروا، فتَوَعَّدهم اللَّهُ على ذلك، وتكون عقوبتُهم بأن تتغامز الملائكة في باب فيما بينهم، وحين يشهدون ذلك تتَرَجَّمُ ظنونُهم، ويتعذَّبون بتَقَسُّم قلوبهم، ثم لا ينكشف الحالُ لهم إلاَّ بما يزدهم حزناً على حزنٍ، وأسفاً على أسف.
قوله جلّ ذكره: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْاْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجْواْ بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقوُاْ اللَّهَ الذي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}.
إنما قَبُحَ ذلك منهم وعَظُمَ الخطرُ لأنه تضمَّن إفسادَ ذات البَيْن، وخيرُ الأمورِ ما عاد بإصلاح ذات البَيْن، وبعكسه إذا كان الأمر بضدِّه.
قوله جل ذكره: {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَلَيْسَ بِضَآرِّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}.
النجوى من تزيين الشيطان ليحزن الذين آمنوا. وإذا كانت المشاهدةُ غالبةً، والقلوبُ حاضرةً، والتوكلُ صحيحاً؛ والنظرُ من موضعه صائباً فلا تاثيرَ لمثل هذه الحالات، وإنما هذا للضعفاء.
قوله جلّ ذكره: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ في الْمَجَالِسِ فَافْسَحُواْ يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُواْ فَانشُزُواْ}.
لكمال رحمته بهم وتمام رأفته عليهم، علَّمَهم مراعاة حُسِن الأدب بينهم فيما كان من أمور العادة دون أحكام العبادة في التفسُّح في المجالس والنظام في حال الزَّحمة والكثرة , وأعْزِزْ بَأقومٍ أمَرَهم بدقائق الأشياء بعد قيامهم بأصول الدين وتحقُّقِهم بأركانه!.

.تفسير الآية رقم (12):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (12)}
لمَّا كان الإذنُ في النجوى مقروناً ببذْلِ المالِ امتنعوا وتركوا، وبذلك ظَهَرَت جواهر الأخلاق ونقاوةُ الرجال- ولقد قال تعالى: {وَلاَ يَسْئَلُكُمْ أَمْوَالَكُمْ إِن يَسْئَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ} [محمد: 37].

.تفسير الآيات (15- 16):

{أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (15) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (16)}
مَنْ وافقَ مغضوباً عليه أشْرَكَ نَفْسَه في استحقاقِ غضبِ مَنْ هو الغضبان؛ فَمَنْ تَوَلَّ مغضوباً عليه مِنْ قِبَلِ لله استوجبَ غَضبَ الله وكفى بذلك هواناً وخسراناً.
{وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ اتَّخَذُواْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ}.
هذا وصفٌّ للمنافقين.
{اتَّخَذُواْ أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً} أي وقايةً وستراً؛ ومَنْ استتر بجُنَّةِ طاعته لتَسْلَم له دنياه فإنَّ سهامَ التقدير من وراءه تكشفه من حيث لا يشعر.. فلا دِينُه يبقى، ولا دنياه تَسْلَم، ولقد قال تعالى: {لَّن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُم مِنَ اللَّهِ شَيْئاً} [آل عمران: 10].

.تفسير الآيات (18- 20):

{يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (18) اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (19) إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (20)}
قوله جلّ ذكره: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فِيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَئ ألآَ إِنَّهُمْ هُمُ الكَاذِبُونَ}.
عقوبتُهم الكبرى ظَنُّهم أنَّ ماعَمِلوا مع الخَلْقِ يتمشَّى أيضاً في مُعَاملةِ الحقِّ، ففَرْطُ الأجنبية وغايةُ الجهلِ أكَبَّتهم على مناخرهم في وَهْدَةِ نَدَمِهم.
قوله جل ذكره: {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرِ أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلآ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ}.
إذا استحوذ الشيطانُ على عَبْدِ أنْسَاه ذِكُرَ الله.
والنَّفْسُ إذا استولَتْ على إنسان انْسَتْهُ الله.
ولقد خَسِرَ حزبُ الشيطان، وأخْسَرُ منه مَنْ أعان نَفْسَه- التي هي أعدى عدوَّه، إلاَّ بأن يسعى في قَهْرِها لعلَّه ينجو مِنْ شَرَّها.
قوله جل ذكره: {إِنَّ الَّذِينَ يُحَآدُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ في الأَذَلِّينَ}.
مَنْ أرَمْتْهُ شِقْوَتُه لم تُنْعِشْهُ قُوَّتُه، ومَنْ قَصَمَه التقديرُ لم يَعْصِمه التدبير. ومَنْ استهانَ بالدِّين انخرطَ في سِِلْكِ الأذَلِّين.

.تفسير الآيات (21- 22):

{كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (21) لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (22)}
قوله جلّ ذكره: {كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِى إِنَّ اللَّهَ قَوِىٌ عَزِيزٌ}.
الذي ليس له إلا التدبير.....كيف تكون له مقومة مع التقدير؟
قوله جل ذكره: {لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الأَخِرِ يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}.
مَنْ جَنَحَ إلى منحرفٍ عن دينه، أو داهَنَ مُبْتَدِعاً في عهده نزَعَ اللَّهُ نورَ التوحيدِ من قلبه فهو في خيانته جائرٌ على عقيدته، وسيذوق قريباً وَبَالَ أمره.
{أُوْلَئِكَ كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإِيِمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ}.
خلق الله الإيمان في قلوب أوليائه وأثبته، ويقال: جعل قلوبهم مُطَرَّزَةً باسمه. وأعْزِز بِحُلَّةٍ لأسرار قومٍ طرازُها اسمُ الله!

.سورة الحشر:

.تفسير الآيات (1- 2):

{سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (1) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ (2)}
قوله جل ذكره: {سَبَّحَ لِلَّهِ مَا في السَّمَاوَاتِ وَمَا في الأَرْضِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ}.
قدَّس الله ونزَّهَهُ كُلُّ شيءٍ خَلَقه؛ فكلُّ ما خَلَقَه جَعَلَه على وحدانيته دليلاً، ولِمَنْ أراد أن يَعْرِفَ إليهتَه طريقاً وسبيلاً.
أتقن كلَّ شيءٍ وذلك دليلُ عِلْمِه وحكمته، ورَتَّبَ كُلَّ شيءٍ، وذلك شاهِدٌ على مشيئته و(إرادته).
{وَهُوَ الْعَزِيزُ} فلا شبيه يساويه، ولا شريكِ له في المُلْكِ ينازِعُه ويُضاهيه.
{الْحَكِيمُ} الحاكم الذي لا يُوجَدُ في حُكْمِه عَيْبٌ، ولا يتوجَّه عليه عَتْبٌ.
قوله جل ذكره: {هُوَ الذي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ}.
هم أهل النضير، وكانوا قد عاهدوا النبيَّ صلى الله عليه وسلم إلاَّ يكونوا عليه، ثم بعد أُحُد نقضوا العَهْدَ، وبايعوا أبا سفيان وأهل مكة، فأخبر اللَّهُ تعالى رسولَه بذلك، فبعثَ صلوات الله عليه إليهم محمد بن مسلمة، فأوهم أنه يشكو من الرسول في أخذ الصَّدَقَة. وكان رئيسهم كعب بن الأشرف فقتله محمد بن مسلمة (غيلةً)، وغزاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجلاهم عن حصونهم المنيعة وأخرجهم إلى الشام، وما كان المسلمون يََتَوَقَّعون الظَّفرَ عليهم لكثرتهم، ولِمَنَعَةِ حصونهم.
وظلُّوا يهدمون دورَهم بأيديهم ينقبون ليخرجوا، ويقطعون اشجارهم ليسدوا النقب، فسُّمُّوا أولَ الحشر، لأنهم أول من أُخْرِجَ من جزيزة العرب وحُشِرَ إلى الشام.
قال جل ذكره: {فَاعْتَبِرُواْ يَأُوْلِى الأَبْصَارِ}.
كيف نَصَرَ المسلمين- مع قِلَّتهم- عليهم- مع كثرتهم. وكيف لم تمنعهم حصونُهم إذا كانت الدائرةُ عليهم. وإذا أراد اللَّهُ قَهْرَ عدوِّ استنوق أسَدُه.
ومن مواضع العِبْرةِ في ذلك ما قاله: {مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ} بحيث داخلتكم الرِّيبةُ في ذلك لِفَرْطِ قُوَّتِهم- فصَانَهُم بذلك عن الإعجاب.
ومن مواضع العبرة في ذلك أيضاً ما قاله: {وَظَنُّواْ أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ} فلم يكن كما ظنُّوه- ومَنْ تَقَوَّ بمخلوقٍ أسْلَمَه ذلك إلى صَغَارِه ومذَلّتِه.
ومن الدلائلة الناطقة ما أُلْقِي في قلوبهم من الخوفِ والرُّعب، ثم تخريبُهم بيوتهم بأيديهم علامةُ ضَعْف أحوالهم، وبأيدي المؤمنين لقوة أحالهم، فتمت لهم الغلبةُ عليهم والاستيلاء على ديارهم وإجلاؤهم.
هذا كلُّ لابد أن يحصل به الاعتبارُ- والاعتبارُ أحَدُ قوانين الشَّرْع.
ومَنْ لم يَعْتَبِرْ بغيره اعتَبَرَ به غيرُه.
ويقال: يُخَرّبون بيوتهم بأيديهم، وقولوبهم باتِّباع شهواتِ نفوسِهم، ودِينهم بما يمزجونه به من البِدَع.